الشيخ محمد رشيد رضا
329
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وأجاب عنه على طريقة المتكلمين جوابا في غير محله . قال : ( فان قلت ) كيف جعل عدم إيمانهم مسببا عن خسرانهم والامر على العكس ؟ ( قلت ) معناه الذين خسروا أنفسهم في علم اللّه لاختيارهم الكفر فهم لا يؤمنون . * * * وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ الظاهر المختار ان هذا عطف على ما قبله ، أي للّه ما في السماوات وما في الأرض ، وله ما سكن في الليل والنهار ، واستظهر أبو حيان انه استئناف اخبار غير مندرج تحت السؤال والجواب ، وسكن من السكنى ، أو من السكون ضد الحركة ، وفيه اكتفاء بما ذكر عما يقابله ، أي له ما سكن وما تحرك ، على حدّ قوله « سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ » أي والبرد . ويجوز الجمع بين المعنيين على مذهب من يجوز ذلك في المشترك بما يحتمله المقام ، والحكمة في ذكر هذا الملك الخاص على دخوله في عموم ما في السماوات والأرض التذكير بتصرفه تعالى بهذه الخفايا فان السكنى والسكون من دواعي خفاء الساكن ، فإذا كان في الليل كان أشد خفاء ، ولذلك قدم ذكر الليل ، لان ما يسكن فيه هو المقصود بالذات وعطف النهار عليه تكميل ، ولما ذكرنا تعالى بأنه المالك لما ذكر المتصرف فيه بقدرته بما يشاء كما هو شأن الربوبية الكاملة - ذكرنا بأنه هو السميع العليم أي المحيط سمعه بكل ما من شأنه أن يسمع مهما يكن خفيا عن غيره ، فهو يسمع دبيب النملة في الليلة الظلماء على الصخرة الصماء . « وكل سميع غيره يصم عن لطيف الأصوات ويصمه كبيرها ويذهب عنه ما بعد منها » كما قال أمير المؤمنين علي المرتضى كرم اللّه وجهه . وهو المحيط علمه بكل شيء ( يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ ) وإذا كان كذلك فلا يمكن أن تدق عن سمعه دعوة داع ، أو تغرب عن علمه حاجة محتاج ، حتى يخبره بها الأولياء ، أو يقنعه بها الشفعاء ، ( يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ ) بعد كتابة ما تقدم راجعت التفسير الكبير فإذا فيه من نكت البلاغة في الآية ما نقله الرازي عن أبي مسلم الاصفهاني وقال إنه أحسن ما قيل في نظمها وهو : ذكر في الآية الأولى السماوات والأرض إذ لامكان سواهما ، وفي هذه الآية ذكر الليل والنهار إذ لازمان سواهما ، فالزمان والمكان ظرفان للمحدثات . فأخبر سبحانه انه « تفسير القرآن الحكيم » ( 42 ) « الجزء السابع »